مجد الدين ابن الأثير
369
المختار من مناقب الأخيار
كيف أعمل في غسله وكفنه ودفنه ؟ ثم وقع عليّ النعاس ، فنمت فما انتبهت إلّا بحرّ الشمس ، وإذا أنا على الجادّة التي أعرفها . وأنا متحسّر على الشابّ منذ ثلاثين سنة . قال أبو إسحاق : فلمّا رجعت من الحجّ ، قلت : واللّه لأمضينّ إلى سميساط ولأسألنّ عن الشابّ ، فلمّا بلغت مصلّى سميساط استقبلتني امرأة عليها مرقّعة ، وإزار مرقوع ، وبيدها ركوة . فما رأيت أحدا أشبه بوجه الشابّ من وجهها فقلت في نفسي : هذا فخّ من فخوخ الشيطان ، فأطرقت النظر بين يدي ، فنادتني المرأة : يا أبا إسحاق ، أنا أنتظرك منذ أيام ، حدّثني كيف رأيت الشابّ قرّة عيني ، وثمرة فؤادي ؟ فوصفت لها حاله ، وما شاهدت منه حتى بلغت قوله : أردت أن أشمّهم . فقالت : هاه ، قد بلغ الشم الشم ، ثم سقطت إلى الأرض ميتة ، وذلك عند رباط من رباطات سميساط . فخرجن أتراب لها عليهنّ المرقّعات والفوط ، فاحتوشنها وبكينها ، وقالوا لي : يا أبا إسحاق ، جزاك اللّه تعالى خيرا فقد أرحتها . فحضرت جنازتها ، وحضر خلق كثير عظيم ، لا يعلم عددهم « 1 » إلّا اللّه ، وبقيت عند قبرها في الرّباط شهرا ثم عدت إلى مصر « 2 » . رحمة اللّه عليهم ورضوانه . * * * وقال يوسف بن حمدان رضي اللّه عنه : خرجت إلى مكّة على طريق البصرة ، ومعي جماعة من الفقراء ، وفيهم شابّ كنت أغار عليه من حسن صمته ، ومراعاة حاله ، واستكثاره لذكر « 3 » ربّه عزّ وجلّ ، ودوام مناجاته ،
--> ( 1 ) في ( ب ) : « عدتهم » . ( 2 ) روض الرياحين 146 ( الحكاية 65 ) . ( 3 ) في ( أ ) : « واستهتاره بذكر » .